صدق سلمان!

إطلالة فصل الربيع فصل الخضرة والجمال والإحساس بالبهجة والفرح تمنح أرواحنا الطاقة وتجدد فيها الأمل والتفاؤل وتطرد عنها الهموم والخمول .

                    أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكـا       من الحسن حتـى كـاد أن يتكلمـا

لتكن إجازة الربيع هذا العام أسبوعًا استثنائياً يتخلله الترفيه البريء والترويح الممتع، إنها استراحة محارب! بعد فترة  من العناء وأيام من التعب وشيء من القلق وبعض من التوتر، إن النفوس إذا كلّت ملت ولابد لها من لحظات من الفرح والمرح تستعيد من خلاله نشاطها وحيويتها؛ وفي هذا السياق يجمل ذكر مقولة أبي الدرداء – رضي الله عنه-: (إني لأستجم لقلبي بالشيء من اللهو؛ ليكون ذلك أقوى لي على الحق).

ومما يشير إلى مصداقية هذا المفهوم قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء رضي الله عنهما: (إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه)، وقول النبي – صلى الله عليه وسلم – مقرراً ذلك : (صدق سلمان ).

سبعة أيام بالإمكان أن تكون جميلة ومليئة بالمتعة والإثارة، دون أن تضطر لقطع آلاف الأميال ولا حجز مقعد على درجة رجال الأعمال، ولا في الانتظار في أحد صالات الفرسان تحتسي قهوتك المفضلة، ولا جلسة استرخاء على شاطئ وايت هافن بأسترالي،  وهو من أنقى الشواطئ الرملية الصافية حول العالم (لم تطأهُ قدماي البتة) ولا تحاول أن تفكر في أن تأخذ بعضًا من رمال هذا الشاطئ حيث يمكن أن تصل عقوبتك عندها إلى أن تدفع خمسين ألف دولار في أفضل الأحوال. ديرتنا أبرك فلا حرج عليك حتى لو تملكت الشاطئ كله خاصة إذا كنت من الأثرياء، وإن لم تستطع التملك فيمكنك التشبيك، ولكن يبدو أن عصر التشبيك مضى بلا رجعة، خرجنا عن الموضوع ولكن لا بأس بالخروج على طريقة شيخنا الجليل علي الطنطاوي رحمه الله.

إن مفهوم الترفيه ارتبط في أذهاننا بالسفر وهذا الارتباط العجيب ربما حرم الكثير منا  فرص الاستجمام والراحة التي بين أيدينا ووفق إمكانياتنا التي نملك.

بإمكانك أن تخلق أجواء المتعة وتصنع باقات الفرح وأوقاتًا من البهجة في الأماكن التي حولك، لا حاجة لتوفير الأموال وإعداد الميزانيات الكبيرة! فتش عن فرص السعادة في مدينتك، بدأت أتفلسف!! حسنا دعوا الحكم علي في نهاية  الحديث.

إنك بميزانية بسيطة تستطيع أن تعيش وقتًا ممتعاً للتواصل الحميم مع الاسرة فتملأ قلوب أبنائك سعادة وسروراً، إن ساعة من الحوار الجميل تتخلله طرفة بريئة ولعبة مسلية وحكاية طريفة على بساط المحبة والألفة في أجواء ربيعية وليالٍ شتوية دافئة تمنح أسرنا دفأ وحباً وقرباً، فليكن هذا الربيع فرصة لنغير نظرتنا  نحو الترفيه الباهظ الى الترفيه البسيط.

جلسة سمر في بيت شعر وشبة نار تلتف حولها العائلة تحتسي شاي الجمر وحبات الفستق والكاجو المحمص، وتتجاذب فيه أحاديث السمر أسمى عندي من إطلالة بحيرة (أوزنجول) أو بحيرة زيلا مسي التي لم تكتحل عيني بها بعد (حامض يا عنب)!

هذه ليست دعوة للتقشف رغم الحاجة إليه الآن، لكنها دعوة لتغيير مفهومنا عن الترفيه الذي بإمكاننا تحقيقه بأبسط التكاليف، إن السعادة تكمن في داخل خلجات نفوسنا وفي خفق قلوبنا  وفي ضحكات أطفالنا. 

لنزرع الحب والفرح في قلوب من حولنا، لنبدأ بوالدينا وأسرنا، ندخل السرور عليهم، البعض يحتاج لفتة كريمة والبعض يحتاج لهدية بسيطة تفاجئه بها،  وإذا أردت أن تعرف أثر ذلك فتأمل  في نفسك عندما تتفاجأ بهدية لا تتوقعها.

إن ديننا عظيم أيها السادة، أليس في الحديث أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، فما بالك إذا كان هذا المسلم أحد الوالدين، أو كما قال ربنا ( يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ  أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ )، إنها النفوس الكبيرة التي تحمل الحب والخير فتنثره كنفحة عطر يفوح عبقها بين العالمين.

أُشير عليك؛ فكر من الآن أن تبدأ رحلة جذب السعادة لنفسك بإسعاد من حولك والأقربون أولى بالمعروف، لتكن أنت وزير السعادة في عائلتك الكريمة! تنشر عبير السعادة  في وجوههم وتنثر أزاهير الحب في در.هم . 

استمتع بمتع الحياة البسيطة، اقضِ إجازتك مع أسرتك فالذكريات التي ستبقى منها لا تقدر بثمن،  أعد توطيد علاقات الصداقة القديمة، أعد قراءة كتابك المفضل، جرب أن تقرأ أحد أمهات الكتب من الغلاف إلى الغلاف، أو زر معرضا حتى لو كان خارج نطاق اهتمامك، أو أَقدم على مغامرة! 

عبدالرحمن بن مصلح المزروعي

مقالات سابقة للكاتب

10 تعليق على “صدق سلمان!

أبو المهند زايد بن هندي

وبعد أقول ( صدق أبو عاصم )

عبدالله العلي

ما شاء الله مقال في الصميم وفيه دعوة للإستجمام بطريقة سهلة وبسيطة وجميلة

أ. نويفعة الصحفي

( استمتع بمتع الحياة البسيطة، اقضِ إجازتك مع أسرتك فالذكريات التي ستبقى منها لا تقدر بثمن، أعد توطيد علاقات الصداقة القديمة، أعد قراءة كتابك المفضل، جرب أن تقرأ أحد أمهات الكتب من الغلاف إلى الغلاف، أو زر معرضا حتى لو كان خارج نطاق اهتمامك، أو أَقدم على مغامرة! ) انتهى
هنا أختصرت ، وأعطيت نماذج رائعة لمن أراد أن يستمتع بمثل هذه الفواصل من الاجازات ..
لافض فوك أ. عبدالرحمن ..حرفك مميز

سمو الذات .

جميله هي البساطه،والأجمل هو صنع لحظات لا تنسى و الأهم هو أن تمتلك قناعه وعقليه جميله تبتهج باللحظات الصغيره قبل الكبيره، الجمال هو جمال الإحساس بالمكان الذي أنت فيه والأهم ماذا ستثمر عنه هذه الاجازة من ذكريات جميلة وهادفه
جزاك الله خير مقال جميل أسعدتنا بحروفك
الله يوفق الجميع لمايحبه ويرضاه في هذه الإجازة

ابراهيم مهنا

أمتعتنا بقلمك الصادق
وبهذا الطرح الراقي
أتفق معك أخي أبا عاصم 100٪
خاصة في ظل ضياع الامن في كثير من البلدان التي حولنا
فكيف يهنأ من يقلق على نفسه وأسرته
لك تقديري

ابو حامد

رائع كعادتك اباعاصم

د.عون عبدالله آل شعلان

بورك فيك صديق الأمس ،يراعك صادق ايها المبدع
اختصارات لمشوار الإجازة في نبرات قلمك السيال ،
لا عدمناك ابا عاصم ،واصل نزف القلم الأمين والبوح
الصادق ،ولك منى ومن كل متابعيك أحلى تحية …

عبدالسلام

صدق سلمان رضي الله عنه
شكراً ع المقال الجميل

أحمد بن مهنا

لابد أن نعلم أولادنا التخطيط للحياة والحياة بتخطيط..
ونتنبه لخطورة مانعلمهم به ونربيهم عليه من (عصف التصرفات ) والتصرفات كيف مااتفق !
اتفق مع الكاتب في الفكرة ، هي فكرة كبيرة وإن بسطها بأسلوبه السهل الماتع !
فكم من الناس من يقرر النزهة في صرمة من القرار وقرار اللحظة فيتكلف مايفسد عليه النزهة ويجعله يمقت تلك الفكرة ويتأوه بعدها من وقع الحسرة..
والسبب عدم التخطيط للترفه والتنزه .. وانصراف المعنى الى الشكل .
(.مقال جميل ! شكرا للكاتب )

محمد الصحفي

أشكرك أخي أبوعاصم على المقال الجميل
يؤسفني وأحزن لما أجد رجل يسافر ويترك أولاده وزوجته
وهو يسافر مع الأصحاب والأصدقاء ونسي أن لعائلته حق عليه
وحتى إذا لا يستطيع تحمل تكاليف العائلة عليه أن يسافر بهم داخل بلده
لو التفت كل واحد منا لأسرته لوجد السعادة في أكنافها.
طبت وطاب قلمك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.