الليبرالية العربية المزيفة

الليبرالية هي عبارة عن فلسفة سياسية ظهرت لأول مرة في دول أوروبا الغربية كفرنسا وإنجلترا كرد فعل على الاضطهاد الكنسي وذلك خلال عصر التنوير، وتتبنى الليبرالية أفكار مثل: حرية الرأي، حرية الأديان، حرية الصحافة، الحقوق المدنية، المجتمعات العلمانية، وغيرها من الأفكار.

وبعد الثورة الفرنسية بدأت الليبرالية بالانتشار في عدد من الدول الأوروبية والأمريكية، بحيث منعوا قيام الحكومات الاستبدادية، ودعوا إلى حرية الإنسان وإعطائه الحق في التعبير عن رأيه وأن يعيش حياة كريمة، لكن الليبرالية الغربية فشلت في إيقاف ظهور بعض الأنظمة الاستبدادية كالنظام الفاشي والنازي، الأمر الذي أدى لاندلاع الحروب العالمية، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ظهر تيار جديد في الغرب يهدف إلى إصلاح الليبرالية الغربية وتحسينها.

ثم واصلت الليبرالية انتشارها لتصل إلى الوطن العربي، لكن هل الليبرالية العربية مشابهة لتلك الموجودة في أوربا ؟ في الحقيقة إن الليبرالية في عالمنا العربي لا تمتلك صورة واضحة، فهي تبتعد في عدد كبير من النقاط عن الليبرالية العالمية، وذلك لأن ظروف النشأة مختلفة كل الاختلاف عن الليبرالية الغربية، حيث نشأت الليبرالية في الغرب لتحرير الشعب من سلطة الكنيسة والتي كانت من أسباب التخلف التي أصابت القارة العجوز ، حيث كانت الكنيسة تحرم التفكير بالعقل لتبقى هي المسيطرة على الناس تحت غطاء ديني، لذلك دعت الليبرالية إلى الابتعاد عن أوهام الكنيسة، وإلى العودة إلى التجربة والاختراعات والابتكارات، والاستفادة من العلوم الموجودة وتطويرها، لكنها لم تدعُ إلى التخلي عن الإيمان بالله.

أما بالنسبة لليبرالية العربية فتجد أن الموضوع الأساسي لها هو محاربة الدين تحت إطار العلمانية، حيث ظن الليبراليون العرب أن هدف الليبرالية هو الثورة على الدين وبأن العلم شيء يتناقض مع الدين، فترى تراشق الاتهامات بينهم وبين المتدينين بما لا داعي له.

بالإضافة إلى ذلك فإن الليبرالية الغربية لم تصل إلى النظام الديمقراطي بشكل مباشر، فلقد مرت بمراحل عديدة حتى وصلت إلى هذا النظام، فبدأت بمنح حرية الفكر للشخص، لتنتقل لمرحلة أخرى وهي جعل هذا الشخص يشارك في انتخاب السلطة  بعد ذلك أصبح لهذا الشخص الحق في الترشح ليكون جزءا من السلطة الحاكمة في حال اختارته الأكثرية، أما بالنسبة لليبراليين العرب فهم أرادوا الوصول إلى السلطة بالقوة والفرض ، فاستعانوا في عدد من الدول العربية بدول أوروبا وأمريكا ليقطعوا المراحل ويصلوا إلى سدة الحكم، متجاهلين رأي الأكثرية وهو عنصر من أهم عناصر الليبرالية أهمية، فالليبرالية الأوربية كسبت الفرد وهو الذي أوصلها للحكم، أما الليبرالية العربية فوصلت للسلطة بالفرض؛ الأمر الذي أدى إلى خلق عداء بينها وبين معظم أفراد المجتمع العربي.

كما أن الليبرالية الغربية قامت على أسس تناسب المجتمع الأوربي، فلم تأخذ من المجتمعات الأخرى أي شيء وتطبقه، أما بالنسبة لليبرالية العربية فلقد حاولت تطبيق الليبرالية الغربية على المجتمع العربي، متجاهلة عدم تناسب عادات وصفات المجتمع العربي مع المجتمع الغربي، الأمر الذي أدى إلى ابتعاد الكثيرين عنها.

وفي الختام نرى أن الليبرالية العربية لم تأخذ من الليبرالية الغربية سوى الاسم، حيث تجاهل الكثير من العرب المراحل التي مرت بها الليبرالية في الغرب قبل أن تصل إلى الحكم، فأرادوا تطبيق أحكامها التي احتاجت لقرون لتنضج وتتشكل على المجتمع الغربي بشكل مباشر، متجاهلين الاختلافات في الظروف وفي العادات والتقاليد، الأمر الذي أدى إلى تشوه صورة الليبرالية في نظر العديد من الناس، فعادوها دون أن يعلموا حقيقتها.

غادة العيدي

مقالات سابقة للكاتب

4 تعليق على “الليبرالية العربية المزيفة

..

لا أتفق مع الكاتبه بوصفها لليبراليه العربيه مع إني ضد الليبراليه المطلقه تماما

متعب الصعيدي

تقول الكاتبة : “أما بالنسبة لليبرالية العربية فتجد أن الموضوع الأساسي لها هو محاربة الدين تحت إطار العلمانية، حيث ظن الليبراليون العرب أن هدف الليبرالية هو الثورة على الدين وبأن العلم شيء يتناقض مع الدين، فترى تراشق الاتهامات بينهم وبين المتدينين بما لا داعي له”
أحسنتي في توصيفك لها وهذا هو واقع الحال
وتابعوا الليبراليين ماذا يكتبون في صحفنا التي يسيطرون عليها
ومن يعادون ؟
لكي تدركوا حقيقة هؤلاء القوم
شكراً غادة

مفلح الصاطي

مقال جميل جدا عن موضوع صار مثل ( مسمار جحا ) في المجتمع
فكل من يبدي رأيا أو ينتقد سلوكا لشخص أطلق لحيته وقصر ثوبه فهو ليبرالي يهاجم الدين !!!
نعم الليبرالية في خصوصية نشأتها كما قالت الكاتبة تحارب الاضطهاد الكنسي الذي أنت تحته أوروبا لقرون طويلة ، وليس ولا يعني بالضرورة محاربة الدين وإلا لما كان للكنيسة البابوية شأن إلى هذا اليوم

الحرية والحوار والانفتاح على الآخر مفاهيم عززها ديننا الحنيف
ولكن شوهها من جعلوا أنفسهم أوصياء على هذا الدين

الليبرالية العربية ليس أمامها سوى الاندثار لأنها ولدت ميتة في مجتمعات ليست بحاجة إليها إن طبقت الإسلام بروح متفتحة

شكرا شكرا مرة أخرى على هذا المقال الجميل ، من مدة طويلة لم أقرأ تأصيلا علميا كهذا المقال
دمت بكل خير كاتبتنا

الصريح

المجتمع الذي يتمسك بالدين تمسكا حقيقيا لا يحتاج ليبرالية ولا غيرها من الأفكار
فالدين الإسلامي لم يجعل شيئاً في حياة البشر إلا و فصّل فيه و أحكم ولكن تقليد وتمجيد الغرب جعلنا نتخذ القومية والليبرالية والراديكالية العمياء و نحن لو تكسكنا بالدين وتركنا الغرب يعمه في طغيانه سلمنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.