رمضان والانبعاث الحضاري للأمة

قد تختلط المفاهيم المتعلقة بالعبادات والروحانيات الدينية لدى بعض المسلمين، لا سِيَّمَا في هذا الشهر الكريم، شهر رمضان المبارك، فيظن أن التركيز على العبادة وترقب ليلة القدر، والاعتكاف في العشر الأواخر، وإخراج زكاة الفطر، كلها مفاهيم منبتة عن الانبعاث الحضاري، والدور المنشود للأمة الإسلامية.

والأمر في حقيقته ليس كذلك…

فالأمور التعبدية.. بل ذروة التعبد شديدة الارتباط بالدور المنوط بالأمة حضارياً ودينياً وثقافياً، وَإِذَا ما غاب هذا الشق التعبدي والروحاني، أو كَانَ عبارة عن طقوس تُؤدى فقط دون المعنى والمغزى المراد، كَانَ السقوط حتمياً في الشق الثاني من الحياة؛ وَهُوَ الشق الحضاري.

ففي المفهوم الصحيح أن حياة المسلم، قائمة على الوسطية والاعتدال والتوازن بين كافة الجنبات، لا غلو ولا شطط ولا تطرف في جانب على حساب جانب آخر.. ولا انفصال بين جانب من الجانبين عن الجانب الآخر، فثم جسر شديد التماسك يربط بين العبادات والروحانيات والممارسة الحضارية للأمة الإسلامية.

وتأمل قول الله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) [البقرة:143]، تأمل كيف كَانَتِ الوسطية مناط الشهادة على بقية الأمم؛ وَهُوَ المقصود الحضاري الأول.

قال الطبري: (وأرى أن الله تعالى ذِكْره إنما وصفهم بأنهم أهل وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه كغلو النصارى الذين غلو بالترهيب، وقولهم في عيسى ما قَالُوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه كاليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه فوصفهم الله بذلك؛ إِذْ كَانَ أحب الأمور إلى الله أوسطها) [جامع البيان في تأويل الْقُرْآن، القرطبي، (2/5)].

“فدين الله تعالى وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط، الذين ارْتَفَعُوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين”، كما نَصَّ على ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. [إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ابن القيم، ص(168)].

فهذه الوسطية والاعتدال إذا ما طبعت حياة المسلم تركت تأثيرها، ولا بُدَّ، على مسيرته الحضارية، ودوره المنوط به في الحياة، والقيام بحق الشهادة على الأمم؛ فهو إذ ذاك يمارس ريادة دنيوية أساسها الوسطية، وفي القلب منها القيام بالجانب التعبدي والروحاني حق قيام، وباتزان يكبح جوانب المادية، ويحد من رغبات النفس الدنيوية، ويهذب من خلجات الضمير البشرية.

كما أن هذا المفهوم لا بُدَّ منه في كل إنجاز حضاري يمكن أن تقدمه الأمة؛ لأنه وبدون هذه الوسطية وذلك الاعتدال ستضطرب سفينة المجتمع يقيناً، وتضل الأمة طريقها ومنهجها وسمْتها المميز الذي يجب أن تسير عليه؛ ومِنْ ثَمَّ تفقد قدرتها على توصيل رسالتها الحضارية إلى بقية الأمم.

إن رمضان وإن كَانَ بحق هو موسم العبادة الأفضل للأمة الإسلامية، فهو كذلك الموسم الأفضل للانبعاث الحضاري للأمة، فإذا قمنا بأدوارنا التعبدية حق قيام، وأدركنا تأثيرها على الممارسة الحضارية، كَانَ الانبعاث وشيكاً قَرِيبَاً بإذن الله.

 

أبو لجين ابراهيم آل دهمان

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.